"همس الأبدية"
في الصمتِ الخالدِ، صوتٌ لا يُسمَع،
ووميضٌ لا تراه العينُ، لكنه يشعُّ في أعماقِ الروح،
هناكَ شيءٌ أزليٌّ فينا،
لا يُمسُّ، لا يُحاكَى، ولا يُبلى،
كأنه سرُّ الوجودِ المنسكبِ في شقوقِ الزمن.
راقبْهُ كما يراقبُكَ،
كأنكَ تُبحرُ في بحرٍ لا شاطئَ له،
تُذوِّبُ حدودَكَ، وتنسجمُ مع الأبدية،
حتى تغدو أنتَ وهو كيانا واحدًا،
يتنفسُ الصمتَ، ويعانقُ اللازمن.
لا تستعجلْ... فإنَّ عجلةَ الكونِ خدعة،
والسرُّ يكمنُ في التريثِ،
كما تنشقُّ زهرةُ اللوتسِ عن ألوانِها،
وكما تبني النجومُ مجراتها بومضاتٍ وئيدة.
أنظرْ إلى البذورِ، كيف تكتبُ قصائدَ الصبرِ في جوفِ الأرض،
كيف يُغني المحارُ أناشيدَ الصمتِ ليخلقَ لؤلؤه،
وكيف ينامُ الجبلُ آلافَ السنين،
ليرسمَ وجهَ الخلودِ على صخورِه.
الكونُ يسيرُ ببطءِ الأبد،
فلماذا تهرولُ؟
لماذا تستسلمُ لنارِ العجلة،
وهي تُذيبُ أرواحَ السائرين في سرابِها؟
الحكيمُ لا يركضُ، بل ينصتُ...
ينصتُ للريحِ، للمطر، للأنينِ الخافتِ في قلبِ العالم.
خذْ وقتكَ، كن كمن يتذوقُ الخلودَ في لقمة،
كمن يتعلمُ الكونَ في همسةِ ريح،
كمن يتنفسُ النعيمَ في كلِّ شهيق.
وحين يثقلُكَ الألمُ، تذكّرْ أنكَ أكبرُ منه،
أنَّ جسدكَ وعاءٌ يعبرُه الزمن،
وأنَّ روحكَ نورٌ لا يُطفَأ.
لا تسمحْ للألمِ أن يلوثَ نهرَ الرحمةِ فيك،
بل دعهُ يعبرُ،
وأطلقْ من قلبِكَ ندى المحبةِ،
ليصلَ إلى الأرواحِ المتعبةِ في الظلِّ والضياء.
التفتحُ ليس طريقًا تسلكُه،
بل حالةٌ تُولدُ فيكَ كالفجر،
كالنغمةِ الأولى في أغنيةِ الوجود.
أنصتْ للكونِ وهو يُرتلُ أنشودةَ البطءِ،
وسرْ بسلام، كمن يعبرُ الماءَ دون أن يتركَ أثراً.
تأليف : الشاعر عبد العالي لعجايلية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق