رسالــة إلى اللـه/ سليمان دغش
A message to God by:Sliman Daghsh
وحدي أطِلُّ عَليَّ من شبَّاكِ ذاكِرَتي
أرى ماضِيَّ يَتْبَعُني كما ظِلّي
أُحاوِلُ ليتني أنساهُ، أهربُ مِنهُ أو مِنّي
وأَمحو ما استَطَعْتُ شَريطَ ذاكِرَتي القَديمَةِ
كَيفَ لي مَحْوَ التَّفاصيلِ التي ملأَتْ جواريرَ الحَياةِ
بكُلِّ ما فيها مِنَ النَّكَباتِ والنَّكساتِ والخَيباتِ أسأَلُها وأسأَلني
أكُنتُ أجُرُّها أم أنّها كانَتْ تُجَرجِرُني؟
وهَلِ امتَلأْتُ بها على مَرِّ السنينِ أم انها امتَلَأَتْ
بكُلِّ براءتي ومُغامَراتِ شقاوتي وتَمَرُّدي، شِعري
ونَزْفِ قَصائدي وجُنوحِها العَفَوِيَّ أبعَدَ مِنْ
رؤايَ ورؤيتي وجُموحِها العَلَنِيّ تيهاً خارِجَ السّربِ
المُنَمَّطِ لا تُطيقُ لها دليلاً، وحدها في الرّيحِ
سابِحة الهوى؟
حاولتُ أن أنسى
لأَكتُبَ مِنْ جديدٍ صفحةً بَيضاءَ أبدَأُ رِحلتي مِنها
على مهلٍ، أرتِّبُها على ذوقي، أُهَذِّبُها تُهَذِّبُني
وأكتُبُها فَتَكْتُبُني وأحمِلُها إلى غَدِيَ الجَديدِ كما أُريدُ
فكَيْفَ لي وأنا الوَحيدُ بِأنْ أُعيدَ طُفولتي
وطُفولتي اغتُصِبَتْ بمرسومٍ إلهيٍّ ليَحياها سوايَ
على ثرى وَطَني
بكُلِّ براءَتي وَسَذاجَةِ الأطفالِ أمسَكتُ اليَراعَ،
أغُتُّهُ بِدموعِ مَحْبَرَتي، أخُطُّ رِسالَةً للهِ أشكو حيرَتي
وَضَياعَ عُمري في المَتاهَةِ والسُّدى
وأعاتِبُ اللهَ فَهَلْ أحَدٌ سوى الأطفالِ عاتَبَ ربَّهُ؟
فَتَّشتُ عَنْ عُنوانِهِ عبثاً لأرسِلَها فلا عُنوانَ عِندَهُ،
قُلتُ لا أحَدٌ يُساعِدُني سوى ساعي البَريدِ
فأخبَروني أنَّ قَنّاصاً تَعَمَّدَ قَتْلَهُ كيْ يمنَعَ الشَّكوى
وما الشّكوى لِغَيْرِ اللهِ غيرُ مَذَلَّةٍ كُبرى
لِمَنْ أشكو إذاً ودَمي يَسيلُ مِنَ الوَريدِ إلى الوَريدِ
فَنَكبَةٌ أو نَكْسَةٌ فَهَزيمَةٌ تَلَتِ الهَزيمَةَ
ثمَّ تَتلوها الهَزائِمُ آهِ يا ساعي البَريد
مضى عُمْري قِطاراً فارِغَ العَرَباتِ لا أدري أكُنتُ
مسافِراً فيهِ وَحيداً نَحوَ مجهولٍ، أطِلُّ مِنَ النوافِذِ،
كلُّ شيءٍ كانَ يَجري ما عَدايَ، أرى المَحطّاتِ القريبةَ والبَعيدَةَ كيفَ تَعبُرُني وأعبُرُها وما مِنْ راكِبٍ
فوقَ الرَّصيف، لرُبَّما قد غادَروا قَبلي، فَهلْ كُنتُ
المُسافِر في القطارِ أم انَّني ما زِلتُ أنتَظِرُ
القطارَ على رَصيفِ الذِّكرَياتِ
بَحَثتُ في جَيبِ القميصِ لَعَلَّني أجِدُ الرِّسالةَ
لا لأَبْعَثها فإنَّ اللهَ يَقرأُها ويَقرَأُنا بدونِ رَسائِلٍ
أَتُرى قَرأْناها رِسالَتَهُ الوحيدَةَ يومَ خاطَبَنا
بِهَيْمَنَةِ المَجازِ على المُباشِرِ: يا عِبادي
وما العِبادَةُ غيرُ فَيْضِ مَحَبَّةٍ فِطْرِيَّةٍ خُلِقَتْ بِنا ولَنا
لِنَحياها فتُحيينا فَهَلْ تُهْنا؟ كأَنا خارِجَ النَّصِ
الإلهيِّ المُقَدَّسِ، نَستَغيثُ ولا نُغيثُ، نقولُ بَعْدَ الحَمْدِ والتَّمجيدِ والتَّرديدِ
إنَّ اللهَ يَفعَلُ ما يُريدُ
أجَلْ ولكِنّي أقولُ بكُلِّ ما أوتيتُ منْ ثِقَةٍ بِهِ
إياكَ ترجوهُ لِيفْعَلَ بالنِّيابَةِ عَنكَ، وَيْحَكَ،
ما تُريــدُ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق